لقد مر الشعب الصحراوي عبر تاريخه
بالكثير من المحطات التي تستوجب
الوقوف عندها، لأنها تمثل وتصور
في كل مرة قوة وصمود هذا الشعب
الذي عانى طويلا من تكالب القوى
الاستعمارية الغربية تارة، ومن
الأطماع التوسعية العربية المسلمة
تارة أخرى، غير أن المتمعن
والمتابع للشأن التاريخي الصحراوي
يمكنه أن يعتبر المحطة الأهم
والأبرز في تاريخنا هي انتفاضة
الزملة.
ان يوم 17 يونيو 1970 ، ليس
تاريخا جديدا لتجربة نضالية جديدة
صحراوية، وإنما هو تاريخ مميز يعد
بمثابة المحصلة والنتاج الطبيعي
لحرث عقود من الجهاد والمقاومة
العفوية، وبعد سنوات من التحضير
والتأطير والتوعية والتثقيف الذي
قامت به الحركة الطليعية بزعامة
سيدي محمد بصيري، بل هو اليوم
الموعود لإزالة النقاب عن الوجوه،
ومنبر لصرخة كانت تختزنها الحناجر
منذ زمن موغل في التاريخ، وآن
أوان تفجرها بعد أن طابت الثمار
وحان موعد القطاف، وتبلورت
الأفكار، واكتملت حلقات مسلسل
الوعي الفردي والجماعي على حد
سواء.
ففي هذا اليوم ، كان جمع غفير من
الصحراويين على موعد تاريخي هام،
انه موعد مع المواجهة وفرض الذات
ومعركة نكون أو لا نكون، لكونها
فرصة العمر التي يجب ألا تضيع،
حيث اجتمع الصحراويون في حي
الزملة ليقفوا ولأول مرة في
تاريخهم في وجه قوة المستعمر
الاسباني الجبارة ليقولوا لا
للقهر، لا لاستنزاف ثروات الوطن.
ولأول مرة أيضا يقف الصحراويون
تحت قيادة منظمة هي المنظمة
الطليعية لتحرير الساقية الحمراء
ووادي الذهب، وللمرة الأولى كذلك
يصطف الصحراويون بكامل قواهم
الحية من عمال و جنود ومثقفين،
رجالا ونساء تحت إمرة قيادة
ميدانية لها مطالب وطموحات سياسية
واقتصادية بحناجرهم المدوية
وصدورها العارية، معلنة بداية
الرفض الجماعي المطلق، وموقدة
لشرارة المقاومة التي لن تنطفي،
.. لا للاحتلال نعم للاستقلال
..كان ذلك عنوان لمرحلة جديدة
وبداية لخيط سميك تعلقت به كل
الأجيال
.
ولأن المرحلة كانت حرجة بامتياز،
إذ الظروف الدولية والإقليمية
حساسة ودقيقة بل وصعبة، تميزت
الواجهة الدولية فيها بالحرب
الباردة التي كان العالم كله
مسرحا لها، الشيء الذي سمح بظهور
وقيام الثورات والحركات التحررية
في أفريقيا واسيا وأمريكا
الجنوبية، وعرفت تلك الفترة أيضا
صراعا ساخنا في الشرق الأوسط بين
العرب و الاسرائليين، وفي الواجهة
الإقليمية كان نجاح الثورة
الجزائرية يلقي بظلاله على
المنطقة وأيضا سقوط الملكية في
ليبيا وظهور نظام ثوري فيها،
وكانت الظروف المحلية قاهرة
وشديدة يمكن إجمال بعضها في
:
-
محاولة المستعمر الإسباني تثبيت
أقدامه على أرض الصحراء الغربية،
بعد اكتشاف كميات كبيرة وذات جودة
عالية من معدن الفوسفات في مناطق
متفرقة من الصحراء الغربية،
وخصوصا بمناجم منطقة بوكراع، مما
حفز المستعمر الذي يعاني من أزمة
اقتصادية ومالية في ذلك الوقت،
على إعادة جدولة مخططاته
وسياساته، واللعب على عامل إطالة
الوقت لاستفادة أكبر من هذه
الخيرات. وقد لعبت آلة المستعمر
الاسباني على عدة ميكانيزمات
لخدمة توجهاتها التوسعية وإبقاء
الحال عما هو عليه، من خلال تشكيل
مجالس من قبيل " مجلس الجماعة " ،
والعمل على تزيين واجهتها من أجل
إضفاء طابع الشرعية المفقود على
هذا المولود، الذي يراد له أن
يكون وسيلة يطبق ما يتلى عليه،
ويبصم على كل ما يراد به ، كما تم
تعيين ستة من رؤوسه أعضاء
بالبرلمان الاسباني " كور تيس "
كممثلين عن منطقة الصحراء الغربية
.
-
بداية عودة التكالب من جديد
لافتراس هذا الشعب الصغير ، لكن
هذه المرة من طرف جيرانه من
الجهتين الشمالية والجنوبية على
حد سواء، ناهيك عن الأطراف الأخرى
التي تساند ذلك الطرف أو ذاك من
أشباه فرنسا وغيرها، والذين بدأوا
يدقوا أبواب المنتظم الدولي
لإضفاء الشرعية على مطالبهم في
أرض الصحراء الغربية، تارة عن
طريق الحق التاريخي وتارة أخرى عن
طريق وحدة اللغة والعادات والمصير.
.
-
الحراك السياسي والاجتماعي الذي
يعيشه الشعب الصحراوي ، بفضل توسع
نفوذ وامتداد المنظمة الطليعية
التي يقودها الزعيم الوطني الشاب
الصحفي " محمد سيد إبراهيم بصيري"
منذ 1968 ، والتي كان لها كل
الفضل في ترقية وعي الجماهير
الصحراوية بضرورة إنهاء الاحتلال
والتخلص منه، وساعد في ذلك مستوى
القائد الثقافي بفضل دراسته
الصحافة ، ووعيه السياسي الذي
اكتسبه خلال رحلته الدراسية
بالمشرق العربي،
ـ الظروف المعيشية التي كان
يعيشها المواطن الصحراوي، حيث
الأجور الهزيلة التي كان يتلقاها
من المستعمر، والتي لا تكفي
لإعالة الأسر.
ـ سوء ظروف العمل بالنسبة للعامل
الصحراوي
.
ـ الهجرة الأسبانية نحو الصحراء،
وتفضيل العامل الأسباني على
الصحراوي في أماكن العمل.
ـ سكن الصحراويين في أحياء مهمشة
(أكواخ، خيم)
ـ عدم وجود مدارس كافية للتعليم
والتأهيل (ابتدائية واحدة ومعهد
صغير في العيون، ومدرسة
ابتدائية أخرى في السمارة)
-عدم الاهتمام
بالخصوصية المسلمة والعربية
للصحراويين.
ـ استغلال ونهب الثروات بشكل علني
وصريح من طرف المستعمر.
وقد كانت تلكم الأسباب هي ذاتها
التي مهدت لظهور الحركة الوطنية
منذ نهاية الستينات، حيث تأسست
المنظمة الطليعية تحت قيادة محمد
سيد إبراهيم بصيري، الذي أوقد
الحماس النضالي في صفوف الشباب
والعمال والمجندين الصحراويين،
وجعلهم يحسون بالواجب الوطني
الملقى على عاتقهم وهو تحرير
الوطن من ربقة المستعمر، وقد ظهرت
أفكار بصيري منذ عودته من المشرق
وتوجهه للعمل في الصحافة في
المغرب، حيث عمل محررا في صحيفتي
"الشهاب" و"الشموع " ابن وجدها
فرصة سانحة لنشر أفكاره حول الوضع
الذي كانت تعيشه الصحراء الغربية،
محتجا على كل الأطماع وطرق
الاستغلال البشعة في الوطن ، وهذا
ما أدى بالسلطات المغربية إلى
تحذيره وفي بعض الأحيان ملاحقته
وتهديده بالتوقيف والتصفية لان
المغرب آنذاك كان يعد لسياساته
التوسعية في المنطقة، ورغم أن
الزعيم بصيري تحول بعد ذلك إلى
السمارة ثم العيون إلا انه لم
يتوقف عن خدمة قضية شعبه الأولى
والأخيرة، حيث مارس التعليم
الديني في كلتا المدينتين علنا،
ناشرا من خلاله الوعي السياسي سرا
في أوساط العامة فكان لهذا الوعي
نتائج كبيرة فيما بعد، وكانت أولى
هذه النتائج تغلغل المنظمة
الطليعية إلى داخل الأحياء والمدن
الصحراوية،
أمام كل ذلك، ووعيا منه بمعطيات
المرحلة، تأكد للقائد بصيري
ورفاقه، أن التحرك أصبح غير قابل
للتأجيل ، لأن الحاكم الاسباني "
سالا زار " كان قد أعلن أن يوم 17
يونيو يوما للاحتفال ، بغية
التغطية على الرفض والتحرك الشعبي
ضد استمرار الاحتلال، ولأجل تسمية
الصحراء الغربية الإقليم الثالث
والخمسين من اسبانيا، . والذي بدأ
صداه يصل إلى العالم، مما أوقع
السلطات الاسبانية في حالة من
الحرج الدولي والضغط الجماهيري،
فحدد الحاكم الزمان والمكان بحي "
سوق الزجاج " بالعيون السفلى أي
منطقة تواجد مقر الحاكم وطاقمه
وأتباعه وأذنابه بعد أن استدعى
لذلك وسائل الإعلام الدولية، وفي
مكان آخر حددته الجماهير الصحراوي
" حي الزملة " وبنفس الزمان، كان
الجميع على موعد مع الحدث، حيث
توافدت الجماهير من كل مكان ومن
كل صوب، لتتجمع بعين المكان وتعلن
مطالبها وتقوم بعرضها على السلطات
الاستعمارية. ومع أن مطالب الحركة
الوطنية يمكن تصنيفها إلى مطالب
وأهداف آنية، وأخرى استراتيجية
مستقبلية، إلا أنها تصب بجملتها
وتفصيلها في هدف واحد هو استقلال
الشعب الصحراوي وتحرره من هيمنة
الاستعمار، مما أربك الحاكم
وأتباعه، الذي لم يجد بدا من
إعطاء الأوامر لقواته على جناح
السرعة من مقراتها وثكناتها ب"
الترسيو " بالهجوم على المتظاهرين
العزل من كل صوب، وإطلاق وابل من
الرصاص الحي، على الأجساد العارية
في إطار مجزرة رهيبة، راح ضحيتها
شهداء ومصابين بالعشرات ، لا لجرم
ارتكبوه سوى أنهم قالوا .. لا ..
للاحتلال بطريقة حضارية وسلمية،
ليتبع ذلك مسلسل من المتابعات
والملاحقات واعتقالات زج على
إثرها العديد من الأبطال بسجون
العيون وغيرها ، كما تم اختطاف
القائد البطل " بصيري " في اليوم
الموالي، ورميه في غياهب المجهول
إلى حد اليوم، ليكون بذلك فيدوم
المفقودين الصحراويين، والأب
الجنيني للثورة الصحراوية، وهو
الذي رفض الهروب والتخفي من أجل
ألا تنتهي القضية التي بدأها منذ
سنوات، وفضل المجهول والسجون
والمعانات على الاستسلام للعدو
والخضوع للآمر الواقع...
هرب من هرب وفر من فر واعتقل من
اعتقل وفُقد من فقد، لكن انتفاضة
" الزملة " بقيت حاضرة في كل
وجدان صحراوي، ومدرسة تخرجت منها
أجيال، وملهمة لكل فعل وتحرك بعد
ذلك، بعدها أيقنت إسبانيا أنها
بداية لنهاية قريبة، وأن اختطاف
زعيمها واعتقال رفاقه وملاحق
الجميع، ليست هي الحل،وأن بصيري
الشخص ترك لكل الأجيال الحاضرة
والقادمة طريقة ونهجا، وهذا ما
كان حيث استكمل الرفاق الطريق بكل
من الجامعات المغربية " الولي
مصطفى السيد ورفاقه " و بمنطقة "
الزويرات " بالقطر الموريتاني،
وعلى نهج بصيري أسسوا لتجربة
جديدة أعطت أكلها بعد ذلك . فكانت
انتفاضة 17 يونيو البطولية
تأسيساً لنهج المقاومة عموماً،
والسلمية خصوصاً، ورسمت أولى
ملامح التنظيم الوطني الصحراوي
الجامع، الذي سرعان ما تكرس
نهائياً مع تأسيس الجبهة الشعبية
لتحرير الساقية الحمراء ووادي
الذهب واندلاع الكفاح المسلح، كرد
طبيعي على القمع الوحشي الذي
جوبهت به تلك الانتفاضة، وتمادي
القوة الاستعمارية في التعنت
والتنكر لحقوق شعبنا.
قد يرى البعض جهالةً أن تلك
الانتفاضة ذهبت مع التاريخ، ولم
يعد لها وجود غير موعد سنوي
لتخليدها واستحضار تجربتها
ومسارها، لكن الحقيقة غير ذلك،
فالحدث لم ينتهي مع مرور الزمن،
والتجربة لم تنقرض من مختبر
التجارب التاريخية، بل لا زال ظل
انتفاضة الزملة يستظل به الجميع،
ولازالت شمسها تسطع من كل جبين،
وإذا كنا اليوم نعيش على إيقاع
الاحتفالات المخلدة للذكرى
الأربعين لهذه الملحمة التاريخية
فإننا نقف وقفة تذكر وترحم وإجلال
أمام أبطال وشهداء المعركة
التحريرية الوطنية، من قائد تلك
الانتفاضة، الفقيد محمد سيد
إبراهيم بصيري إلى مفجر الثورة،
الشهيد الولي مصطفى السيد وصولا
إلي كل شهدائنا الأبرار الذين
استر خسوا أنفسهم دفاعا عن الوطن,
ونتوجه بالتحية والتقدير إلى
أبطال انتفاضة الاستقلال
المعتقلين السياسيين الصحراويين
القابعين اليوم في السجون
المغربية: في السجن لكحل بالعيون
عاصمة الصحراء الغربية المحتلة،
وداخل المملكة المغربية واننا على
العهد سائرون حتى تحقيق الهدف
الوطني وبناء دولتنا المستقلة على
كامل ربوعنا الوطني