عندما يقوم المرء
بعملية جرد أو مسح تطال تاريخ شعب
عربي إفريقي ما فتئ ينهض من تجربة
إستعمارية حتى يجد نفسه و بشكل قسري
عرضة لغزو
آخر
يتحرك و يسترشد ببوصلة أطماعه ، و
نزعاته الصبيانية اللامتناهية و غير
المحدودة ، فإن الذاكرة حتما توقفه
عند المحطات الباسلة و البطولية
المسطرة بدماء عزة شعبنا البطل و خلود
شهدائنا الأبرار ، لتثري رصيده
النضالي في بورصة قيم التحرر و حب
الوطن و غريزة المقاومة ، مجسدا عبرها
الشعب الصحراوي معاناته اليومية مع
الواقع الإستعماري الذي يرزح تحت
وطأته منذ سنة 1884 ، تاريخ إنعقاد
مؤتمر برلين الذي جعل بلدان شمال
إفريقيا بما فيها إقليم الصحراء
الغربية بمثابة كعكة قسمت بإحكام و
وفق إستراتيجية مضبوطة و مدروسة
سلفًا تستجيب لميولات الدول الأوربية
و تتلاءم مع مخططاتهم التوسعية التي
لم تقتصر على وجودهم المادي بالوطن
الصحراوي ، بل تعداه ليصل مرحلة
الإحتلال المفوض في علاقة هذه القوى
مع ابنها البار النظام السياسي القائم
بالمغرب عملا بقاعدة ( أعطى من لا
يملك لمن لا يستحق ) ، متجاوزين بذلك
كله إرادة الشعب الصحراوي في الحرية و
الكرامة ، و مطالب رائدة كفاحه الجبهة
الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و
وادي الذهب ن في تقرير المصير و بناء
الكيان الصحراوي المستقل على كافة
ربوع الجمهورية العربية الصحراوية
الديمقراطية .
و لعل
القواسم المشتركة بين كافة القوى
الإستعمارية المتعاقبة على إضطهاد شعب
الإقليم و إستنزاف خيراته الطبيعية ،
هاته القواسم التي تأبى إلا أن توخز
بأظافرها في الذاكرة الجماعية للشعب
الصحراوي ، تلك الأساليب و الوسائل
القمعية المعتمد عليها في مراجعة
المطالب العادلة و المشروعة لشعب
المنطقة ، المنسجمة طبعا مع خياراته
الوطنية و الإقليمية و الدولية ، و
المعبرة بكل صدق عن الطموح الثوري في
أبعاده السياسية و العسكرية الذي
يمتلك كافة مكوناته و شرائحه
الإجتماعية ، هاته الأساليب المتمثلة
بالأساس في الإبادة ،الإغتيال ،
الإعتقال ، الإختطاف ،الإغتصاب ، قطع
الأرزاق ، المنع من الدراسة ... إلخ
) .
لذا
وإنسجامًا مع الضرورة المنهجية التي
تأسر كل كاتب يهدف للدقة و الوضوح و
مساعدة القارئ على الفهم و الإستيعاب
، سأقتصر في هذا المقال على تناول
الإعتقال السياسي بما هو قضية في حقل
دراسي واضح يهم الطلبة الصحراويين
كعنصر أساسي ضمن مجموعة بؤرية
تستهدفها هذه الآلة القمعية ، مؤطرًا
موضوعي بطرح إشكالات و تساؤلات لا
مناص من الإجابة عنها بغية تفكيك
عناصر موضوعي و هي على النحو الأتي :
¬ ما
هي الخلفيات الحقيقية التي تقف وراء
إقدام سلطات الإحتلال على إعتقال
الطلبة الصحراويين و الزج بهم في
سجونه المظلمة ؟
¬
هل يشكل الإعتقال السياسي عامل قوة أو
ضعف بالنسبة لذات الطلبة الصحراويين ؟
1 – الإعتقال السياسي
بين عنف الإحتلال و وهم السيطرة :
إن المتتبع
لقضية الشعب الصحراوي بنظرة ثاقبة و
حس متقد ليدرك تمام الإدراك هول الظلم
التاريخي الذي تعرض له هذا الشعب جراء
النزاعات التوسعية التي هيمنت على نمط
تفكير الأنظمة الإستعمارية الناهبة
لخيرات وطننا الحبيب و المستنزفة
لطاقاته البشرية ، قصد إنتزاع إرادة
الإنسان الصحراوي في مقاومة الإحتلال
و السير به نحو الركوع و الخنوع ،
بإعتبارها شروطا رئيسية و ضرورية
لإنجاح مخططاتهم التدميرية المنفذة من
لدن هذه
الطغمة
في هده الرقعة الجغرافية ،
فباستحضارنا لمجمل المعطيات التاريخية
تبين حجم الإستهدافات و المؤامرات
الدنيئة التي أحيكت ضد الشعب الصحراوي
سواء من طرف " فرانكو
" أو في عهد الإحتلال المغربي و
تحديدا أكذوبة التاريخ ( المسيرة
الخضراء ) بتاريخ 06 نوفمبر 1975 ، و
إتفاقية مدريد الثلاثية بتاريخ 14
نوفمبر 1975 ، هذه الوقائع تحمل بين
ثناياها شروط حياة و إستمرار القاعدة
الميكيافلية " الغاية تبرر الوسيلة "
من خلال الوقاحة التي تغرق فيها هذه
الأنظمة من القدم إلى الرأس و بشاعة
أساليبها و دناءة أهدافها ، و بالأخص
النظام السياسي القائم بالمغرب الذي
يزخر تاريخه بخيانات عظمى ، في علاقته
بالشعب المغربي الشقيق المقدم لخير
أبنائه قرابين على مذبح الحرية ، و
الاستقلال الكامل و تحقيق المساواة و
العدالة الاجتماعية ، فيكفي ذكرى
معاهدة " إيكس ليبان " بتاريخ 23 غشت
1956 التي غلب فيها الإحتلال المغربي
مصالحه الضيقة على حساب التحرير
الكامل و التام للتراب المغربي ، هذا
إلى جانب تواطئه المكشوف مع القوى
الإسبانية و الفرنسية لقنبلة جيوب
المقاومة في واقعة " إيكوفين " سنة
1958 ، ليتواصل مسلسل الخيانة هذا
شاملا القضايا العربية الكبرى ،
القضية الفلسطينية مثل التي إختار
رئيس لجنة " الدنس " عفوا " القدس " !
للتمسح بأعتاب البيت الأبيض و تقبيل
أيادي النظام الصهيوني و الحرص على
عدم إغضابهم ، بدل الدود عن الحقوق
العادلة للشعوب التواقة للتحرر و
الإنعتاق ، لدلك و في هذا السياق ظل
النظام السياسي القائم بالمغرب و فيا
لسياسته التوسعية إتجاه الشعب
الصحراوي الأبي ، على الرغم من
تصريحات بعض المسؤولين المغاربة في
عقد الستينات المؤكدة على دعم المغرب
لطرح تقرير المصير .
عبر إجتياحه العسكري
للوطن الصحراوي بتاريخ 31 أكتوبر 1975
و إنخراطه الفعلي في التكالب على
مصالح شعبنا ، عن طريق مشاركته كطرف
رئيسي في إتفاقية مدريد اللوصوصية ،
ليسقط القناع عن التناقض الصارخ بين
الخطاب و الممارسة ، و تنكشف نواياه
الحقيقية لفرض واقع الإحتلال بقوة
السلاح و إستعباد الشعب الصحراوي .
هذا الأخير الذي كان و
مازال يستخدم كمعطى خارجي لتحقيق
إلتفاف شعبي حول القصر ، و إيهام
الشعب المغربي الشقيق بوجود قضية
تستحق و ضعها على رأس أجندة المطالب
الشعبية ، و ذلك لحماية المصالح
الخاصة للحكم الفردي المطلق و تحصينه
بتصريف الأزمات الداخلية و إبعاد
خطرها المحدق بعرشه المهترأ أصلا .
تبين أن هذا
الوضع لم يقيد مقاومة الشعب الصحراوي
و لم ينل من حركية مناضليه ، بقدر ما
أدرك أعداؤه الحقيقيين على نحو ساهم
في توعية و نشر وعي سياسي على أرضية
مبادئ ثورية ثابتة ، و أساليب نضالية
راقية و وفق إستراتيجية و طنية واضحة
تلتزم بها كل المكونات الوطنية ، و من
ضمنها الطلبة الصحراويين الذين شكلوا
على الدوام وقود الثورة الصحراوية و
رافد أساسي لحركة التحرر الوطنية ، عن
طريق إرتباطهم العضوي بمطالب و
إنشغالات الشعب الصحراوي ، و سعيهم
الحثيث إلى تنظيم و توجيه الفعل
النضالي بشكل يواكب خطهم السياسي و
الفكري ، لإستيعاب معطيات الواقع
الإستعماري و تحضير الإجابات العلمية
على إفرازاته الإشكالية المرتبطة
بتصليب الذات الوطنية و تحديد
أولوياتها ، علاوة على التنقيب عن
السبل الناجعة لتسليح الجماهير
الشعبية بالفكر الثوري الضامن الوحيد
و الأوحد لوحدة و تنظيم و كرامة هذا
الشعب ، تماشيا مع ظروف الحقب
الإستعمارية المظلمة و المليئة بكل
أنواع التجهيل و التفقير و زرع بدور
الإنشقاق الداخلي ، بتوظيف المعطى
القبلي و إستغلاله بما يخدم مصالح
الإحتلال ، هذه السياسة التي لم تصمد
أمام الصمود الباهر للشعب الصحراوي ،
تحت القيادة السياسية للطلبة
الصحراويين من خلال الحركة الطليعية
لتحرير الصحراء و الجبهة الشعبية
لتحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب
، مؤصلة مفاهيم نظرية كالمقاومة و
التحدي و المجابهة .
تمكن الإنسان
الصحراوي من تجسيدها في ممارسة
العملية بإنتفاضة الزملة بتاريخ 17
يونيو 1970 و ثورة 20 مايو 1973 ،
مرسخة إدراكا ثوريا بأهمية و نجاعة
المواجهة و النضال المستمر ضد
الإحتلال و القيادة السلمية لجماهير
الشعب الصحراوي ، هذا الإدراك الذي
إستفاد من التراكمات الكمية و النوعية
، التي أنتجها الوضع المتقدم للفعل
الوطني بمختلف ربوع الوطن المحتل (
إنتفاضة العيون سنة 1999 و إنتفاضة
الإسقلال المباركة سنة 2005 ) ، بشكل
لم يبقى معه الفعل الطلابي معزولا و
منفصلا بل تفاعل إيجابيا مع تطورات
الوضع الداخلي و أنخرط فعليا ، في شرح
مضامينه و عمق دلالاته و إنسانية
رسائله المنمة عن تعطش الشعب الصحراوي
لإعتناق الحرية و تحديد مصيره السياسي
و الإقتصادي و الإجتماعي على غرار
باقي شعوب العالم ، منسجما في ذلك
الطالب الصحراوي مع الدور الطلائعي
الذي حمل مشعله في الساحات الجامعية ،
باعتباره إمتداد تاريخي للتنظيم
الوطني المركزي ، و ذات سياسية تمكنت
و رغم قلة إمكانياتها من التجسيد
الحقيقي للمشروع الوطني ، بواسطة
ميكانيزمات و وسائل نضالية حضارية
راقية و متنوعة نذكر على سبيل المثال
لا للحصر ، القافلة الحقوقية لسنة
2002 بالموقع الجامعي أكادير تحت شعار
" الحرية و الأمل للمختفي و المعتقل "
و النشاط الحقوقي بالموقع الجامعي
مراكش لسنة 2005 تحت شعار " إنتفاضة و
صمود لفرض الحرية و الوجود " ،
مستعرضين خلالها الطلبة الصحراويين
تاريخ القضية الوطنية و فضح الجرائم
اليومية التي يرتكبها النظام السياسي
القائم بالمغرب صوب المد الثوري
لشعبنا البطل بالأراضي المحتلة ، و
التشهير بها داخل الأوساط الطلابية
بهدف تقريب الصورة و توضيحها لبعض
الطلبة المغاربة ، الذين يسقطون ضحية
الإدعاءات الكاذبة للمحتل و التعتيم
الإعلامي المفروض حول هذه القضية .
إنطلاقا مما سبق نقف
ببساطة عند المكانة المرموقة التي
إحتلها الطالب الصحراوي بمختلف مواقع
الفعل و النضال ، أسس معها و بإلتزام
تام مع مهامه المرحلية و الإستراتيجية
، جبهة صدامية أخرى تنضاف إلى باقي
جبهات مقارعة الإحتلال بشكل يساعد
المرء ، على فهم الأساليب الحقيقية
الكامنة و راء الهستيريا و الشراسة
التي أصيب بها النظام الغازي ،
المترجمة إلى إغتيالات و إعتقالات
واسعة في صفوف هذا المكون الوطني ، و
التي لن تكون إلا شراسة البهيمة حين
يقترب أجلها .
2
الإعتقال السياسي :
عامل قوة أو ضعف ؟
بعد تناولي و
بشكل مقتضب الأسباب الموضوعية التي
تقف خلف الهجمة الشنيعة و القمع
المتزايد الذي يستهدف الذات الطلابية
في شتى المواقع جراء إلتفافها حول
شرعية الجبهة الشعبية لتحرير الساقية
الحمراء و وادي الذهب ، وتمسك
عناصرها بخيار الدفاع المستميت عن
المكاسب النقابية و السياسية المحصل
عليها وفق أرضية تنظيمية و رؤية
سياسية واضحة المعالم ، في خضم الصراع
الإيديولوجي و السياسي مع الإحتلال ،
الذي كان و ما زال فضاء الجامعة
المغربية مسرحا له تصدر الطلبة
الصحراويين مراتب متقدمة في التسابق و
التنافس الإيجابي المشروع ، الدائر
بين جل المكونات الوطنية بشأن
المرافعة عن الحقوق الوطنية المقدسة ،
مما ساهم إلى حد بعيد في توسيع دائرة
العمل الوطني ، ليصل مداه مدن مغربية
تأكدت معه صحة نبوءات الرفيق و الشهيد
الرمز " الولي مصطفى السيد " ، متسلحا
في دلك الطالب الصحراوي بذخيرة الفهم
العميق لتطورات القضية الوطنية داخليا
و خارجيا و التحليل الدقيق ، المستند
طبعا على أدوات علمية للنتائج
المترتبة عن تأجيج الإنتفاضة و
استجلاء مكامن القوة و الضعف فيها .
غير أن المتتبع للمسار
الكفاحي الذي يسلكه الطلبة الصحراويين
يجزم بأن كل أشكال الحظر العملي التي
يسعى جاهدًا المحتل المغربي فرضها على
الذات الطلابية ، قصد إجتثاث الفعل
الطلابي أو تطويعه حتى يخدم مصالحه
الضيقة و مخططاته التصفوية ، كانت لها
نتائج عكسية تبخرت في معانيها كل
رهانات العدو و أنكسرت حساباته أمام
صلابة و ممانعة الجسم الطلابي في أكثر
من محطة نضالية ، بفعل الخبرة و
الحنكة التي إكتسبها مناضليه إبان
مواجهتهم اليومية العلنية منها و
السرية مع قوات الإحتلال سواء
بالمواقع الجامعية أو بالأراضي
المحتلة ، بشكل أهلهم مباشرة لمراكمة
تجربة ليست بالهينة ، أغنت بطبيعة
الحال حرب التحرير الوطنية في
مستوياتها النظرية و العلمية ، و
أنضجت الشروط المادية لتحرك الجماهير
الشعبية و الطلابية المنددة بجرائم
الإحتلال ، و فرقت بدورها الظروف
المواتية و الأوضاع الملائمة لتأطير
الطاقات الطلابية الجديدة بالجامعة
عبر حلقات النقاش المفتوح و المركزي ،
و تشييد قواعد خلفية إحتياطية
بإستطاعتها عند الضرورة ، تحمل
المسؤولية المتوارثة في قيادة المعارك
الطلابية إنسجاما مع ما يمليه الواجب
و المصلحة الوطنية ، بإعتباره السبيل
الوحيد الكفيل بكسر قيود السجان و
إبراز مازوشيته و فك الحصار العسكري و
الإعلامي المضروب على وطننا الحبيب ،
زيادة على تمثين و حدتنا الوطنية لفرض
إستقلال الصحراء الغربية ، خصوصا و إن
ترسخ في دهن الطالب الصحراوي بأن
الإعتقال السياسي أحد الثوابت
البنيوية المتجدرة في الممارسة
القمعية للإحتلال ، هده الممارسة التي
تأتي في سياق دينامية الفعل النضالي و
بلوغه مستويات متقدمة ، تبعثرت على
إثرها أوراق الإحتلال و تأزمت أوضاعه
و أتسعت عزلته بشكل جعل منه حيوانا
جريحا نازفا في حلبات الصراع الداخلية
و الدولية .
الأمر الذي
أثث
لقناعة ثابتة بأن
الإعتقال السياسي و الإختطاف بل و حتى
الإستشهاد ، ضرائب لا بد لنا من دفعها
و لن يتوقف المناضل عن تسديد فاتورتها
ما لم يزل ليل الإحتلال و يبزغ فجر
الإستقلال ، أو نباد عن آخرنا و ليأتي
العالم بباقة ورد و يقول كان هنا شعب
يناضل من أجل الحرية يناضل من أجل
الكرامة إسمه الشعب الصحراوي ، و من
لم يؤمن بهذه الحقيقة الأزلية فما
عليه سوى مغادرة صفوف الثورة و الثوار
، و بدون شك طريق النضال و الكفاح ليس
بالهين أو بالطريق المعبد بالورود بل
هو طريق مملوء بالأشواك و الألم و
المعانات .
لذا و لأن و عيي أنا و
رفاقي لن يخرج عن هاته القناعة و بذلك
لم يجافي حقيقة التاريخ و الجغرافيا ،
فإني أصرخ في وجهه من يخيل له بأن
الإعتقال بقادر على قتل غريزة النضال
و المقاومة فينا ، و الدوس على حقوقنا
الوطنية و العبث بتاريخنا الوطني .
قسمًا لن نحيد عن نهج
الولي الشهيد، و بصيري الفقيد ،
وتاريخ شعبنا المجيد,
الطالب الصحراوي و
الناشط الحقوقي المعتقل السياسي
الصحراوي " إبراهيم برياز "
السجن المحلي بولمهارز
بمدينة مراكش المغربية
حرر بتاريخ : 25
نوفمبر 2009