هذا
المثل الصحراوي الذي لم يورده أوائلنا جزافا معناه أن من يقف إلى جانبهم قوي
يحميهم و يدافع عن مصالحهم لا خوف عليهم و لا هم يحزنون، و هو أصدق تعبير على أن
منطق التحالفات القائم على المصالح و القرب من مركز القرار و لا شيء غيره هو السبيل
الوحيد لتحقيق الأهداف و تحصين المكتسبات و الدفاع عن المصالح، و هو ما فطن له
المغرب و عمل على استغلاله من أجل الحفاظ على مصالحه و استمالة أو كسب الحلفاء
الذين نصبوا أنفسهم محامين للدفاع عن هذه المصالح حتى و لو كانت ضد الشرعية الدولية.
و
المتأمل لمسار قضيتنا الوطنية على مدار الأربعين سنة الماضية سيعجز و يحتار في فهم
السبب أو الأسباب الكامنة وراء عدم التوصل إلى حل يرضينا كصحراويين، بل و ستتقاذفه
أفكاره و حيرته إلى أن توصله حد التطير.
و
بتحليل بسيط يرتكز على القليل من التمعن و المنطق سيتضح أن الأسباب فيها ما هو ذاتي
مرتبط بنا كصحراويين و ما هو موضوعي متمثل في تكالب القوى الاستعمارية على حقنا في
الحرية و الاستقلال، و لهذا السبب الأخير بالذات النصيب الأكبر في تعطيل عجلة
قضيتنا.
للأسف
كنا بحق ضحايا لمكر التاريخ و ظلم الجغرافيا، و سقطنا في واد للذئاب و دامت سنوات
الضياع، و أصبح الحل عاص و لا نور في الأفق، و يبدو أنه لا بد للصحراوي من استلال
سيفه المهند ليعود و يحيا من جديد، وحتى نفاوض من منطلق قوة و لا نخسر في المفاوضات
ما كسبناه في الحرب.
لقد
تكالب الأعداء على حقوقنا المشروعة و حاكوا المؤامرات تلو المؤامرات ضد مصالحنا،
ابتداء من اتفاقية مدريد المشؤومة و مسرحية المسيرة، و التي اشتركت فيها دو ل عظمى
بتوفير الدعم المالي، اللوجستي و الإعلامي بتمرير المغالطات، التعتيم و التستر على
الجرائم المغربية المرتكبة في حق أبناء شعبنا الأبي.
كل
هذا مرده أن المغرب عرف من أين تؤكل الكتف و كسب إلى جانبه فرنسا التي كانت بحق
جدته و خير نصير له في مجلس الأمن و الأمم المتحدة ، و صخرة لطالما تكسرت عليها
أمالنا في القرارات الأممية. و جندت كل طاقاتها العسكرية، الدبلوماسية و الإعلامية
، فوسائل الإعلام الفرنسية و ما يدور في فلكها، كثيرا ما اقتصرت على نقل وجهة النظر
المغربية، و لطالما تجاهلت القضية الوطنية ، ونورد على سبيل المثال عدم إشارة فرانس24
للصحراء الغربية في الخرائط التي تقدمها أثناء تناولها لأخبار المغرب العربي و
الاكتفاء بوضع خط فاصل بين الصحراء و المغرب دون تسميتها، و لا نعرف هل مرده
استحياء أو خوف قد يكون نتيجة ضغوط أو مجرد تعليمات من جهات فرنسية عليا.
كما
أن دور فرنسا لا يقتصر فقط على الدعم و التغطية، بلتعداه
ليتماهى في الكثير من الاحيان مع المصالح المغربية، فنتيجة لصراع الجبابرة و تصارع
الدول العظمى في مناطق عدة من العالم، و هيمنة الولايات المتحدة على مجموعة من
الهيئات و المؤسسات الدولية، جعل الدول الأخرى كألمانيا و بالأخص بريطانيا و فرنسا،
المجروحتي الكبرياء، تبحثان عن موطئ قدم لهما في عالم الألفية الثالثة، و بعد فقدان
الأمل في حلف شمال الأطلسي و الهيئات المالية الدولية، ركزت فرنسا على الاتحاد
الأوربي و حاولت بسط سيطرتها عليه، و أدى صراعها مع كبار أوربا إلى إضعافه، و تحولت
المصالح الاقتصادية التي كانت أساس تأسيسه إلى مصالح سياسوية ضيقة وظفت الابتزاز
بعد رفض الأوربيين للدستور الأوربي، بالإعلان عن إنشاء الاتحاد من أجل المتوسط، و
الذي ضربت به فرنسا ثلاث عصافير دفعة واحدة، أولهما كان إخضاع الدول الأعضاء ذات
النزعة الاقتصادية بالاتحاد الأوربي(خاصة
هولندا و الدول الاسكندينافية) و إرغامها على قبول إعلان لشبونة كأرضية للدستور
الأوربي، و ثانيهما امتصاص غضب تركيا و محاولة إرباكها للتخفيف من إلحاحها على
الإسراع في الانضمام الاتحاد الأوربي، و ثالثهما كسب دول جنوب حوض المتوسط و شغلها
بهذه المؤسسة الهلامية و ما ستحققه من مكاسب وهمية، و بعد ذلك منح المغرب وضع
الشريك المتقدم، لكنه نسي أنه أين ما وجد فرعون وجد موسى و الدليل على ذلك قرار
البرلمان الأوربي الأخير بعد أحداث كديم ايزيك.
و في
نفس الإطار، كانت قضيتنا دائما بالنسبة لاسبانيا بمثابة سلعة لا تبور تخرجها كلما
ظهر تهديد لمصالحها، هي تقايض بها سبتة و مليلية، و تستغلنا اقتصاديا باستنزاف
خيراتنا أو الحصول على مصالح مع المغرب خاصة بعد اشتداد ألازمة الاقتصادية العالمية
و بداية انهيار اقتصاديات دولا أوربية كاليونان و ايرلندا و الأكيد أن كرة الثلج
ستصل إلى أيبيريا لا محال. هذا بالإضافة إلى الانفصام في الشخصية الذي يعاني منه
الحزب الاشتراكي الاسباني، و زيغه عن مبادئ الاشتراكية المؤمنة بحق الشعوب في تقرير
المصير، و اصطفافه إلى جانب المغرب و محاولة استمالة جدة أخرى للمغرب و هي أصوات
آلاف المهاجرين من أصول مغربية في الانتخابات الاسبانية، بالإضافة إلى ضمان مصالح
حكومته الاقتصادية المرتبطة بالمغرب.
بات
من المؤكد أنه لا بد لنا من جدات و لما لا جدود للوقوف في وجه هذه المؤامرات، و
محاولة التسريع بإيجاد حل يتوافق مع حق شعبنا في تقرير المصير، و كل ذلك يبدأ
بالوعي بقيمة و دور الجدة و التقرب من مركز القرار و تشكيل لوبيات و مجموعات ضغط
تدافع عن مصالحنا و قضيتنا الوطنية فكل شيء له ثمن حتى المواقف و زمن المبادئ قد
ولى و حلت محله فكرة المصالح الدائمة، و بالتالي بات من الضروري التركيز في الظرفية
الراهنة على الجبهة الخارجية.
و
الجدير بالذكر بأن مراكز القرار تتعدد و تتنوع من هيئات سياسية دولية إلى مؤسسات
إعلامية ، ولعل تونس، فلسطين، و مصر أحسن مثال على ذلك ، فالمواكبة الإعلامية
الضخمة التي خصصتها مؤسسات إعلامية عربية و غربية لأحداث سيدي بوزيد هي التي حولت
خريف تونس إلى ربيع قبل أوانه توج بثورة الياسمين، و الدور الأكبر يرجع للكوادر
التونسية في وسائل الإعلام العربية كالجزيرة و غيرها بالإضافة إلى المتعاطفين مع
الشعب التونسي البطل، في حين انه للأسف تم تجاهل أحداث كديم أيزيك الأليمة و ما
صاحبها من انتهاكات. كما أن هيمنة أخبار القضية الفلسطينية على المشهد في الجزيرة
يعود لتلك الجدة المتنفذة هناك و التي تشكل لوبيا قويا يولي الأهمية لقضيتهم
الوطنية و التي هي قضيتنا جميعا كمسلمين في حين تتجاهلها قنوات أخرى أو تتناولها
باقتضاب شديد.