|
لم يكن يدُور في
خلد أولئك الشبان الصحراويين الذين انطلقوا يوم 10/10/2010 يحملون خيامهم لنصبها
بمنطقة
أگديم
إيزيك
أنهم يصنعون مجدا
جديدا للشعب الصحراوي.
-
البداية:
البداية كانت
بسيطة للغاية : مجموعة صغيرة من الشبان الصحراويين (خاصة المتزوجين) الذين عانوا
الذل والهوان تحت وطأة الاحتلال وضاقوا ذرعا بهذا الوضع البئيس الذي يعانونه، لا
شغل، لا مسكن، لا كرامة، في الوقت الذي يعيش فيه خيرات وطنهم دولة بأكملها بل دول
بكاملها، بل إن حتى وطنهم يرونه يمزق كل يوم للغرباء والأرذال في حين يظل هم ينظرون
بل ويعنفون ويسجنون لا لشيء سوى لأنهم طالبوا بحقوقهم.
ولأنهم ضاقوا ذرعا بكثرة التسويف
والوعود الكاذبة فقد قرروا ترك هذه المدينة (العيون المحتلة) التي باتوا يحسون فيها
بالغربة وهي وطنهم وهم أبناؤها وتوجهوا إلى العراء صوب منطقة
أگديم
إيزيك (شرق مدينة العيون ب 10
كيلومترات) ونصبوا خيامهم هناك هم وأبنائهم وزوجاتهم، ليلتحق بعد ذلك الآباء
والأمهات والإخوان والأخوات فالكل أصبح كارها للعيش في هذا الذل والهوان.
الفكرة كانت غاية
في الذكاء وغير مسبوقة بالمرة، فالانسحاب خارج المدار الحضري هو أولا هروب من
القبضة الأمنية المشددة التي تفرضها قوى الاحتلال على المدينة، وثانيا صنع حدث
نضالي وبطريقة سلمية مرة أخرى كما تنادي بذلك الجبهة، وثالثا هي رسالة واضحة، وهذه
المرة ليس فقط للمحتل المغربي وحده بل للعالم أجمع مفادها أن الصحراويين قد يتخلوا
عن أي شيء إلا عن كرامتهم وحقوقهم المشروعة، وأنهم يرفضون "المدنية" المفروضة
ومتشبثون ببداوتهم في صفائها ونقائها.
والفكرة غير مسبوقة لأننا لم نطلع –
حسب علمنا المتواضع- على أن أحدا أقدم على هكذا فكرة في مكان ما وفي زمان ما!!.
كرة الثلج:
هكذا يثبت
الصحراويون أنهم دائما مبدعون وأنهم للظلم رافضون وبحقهم في تقرير مصيرهم
واستقلالهم متشبثون. مع توالي الأيام سيزداد عدد الخيام وسترتفع وثيرة التحاق
الصحراويين بالمخيم بشكل مفاجئ تماما ليصل عدد الخيام في ذلك الظرف الوجيز على
قرابة 30 ألف تقريبا.
هذا الرقم الخيالي أربك المخزن تماما
وجعله يحار في اتخاذ قرار مناسب، في حين قامت الجبهة بدورها في التسويق الإعلامي
للفكرة واستغلال بعض الأحداث بشكل خاص (عمليات إطلاق الرصاص واستشهاد الطفل اﻟگارحي
ذي الأربعة عشر ربيعا، الجانب الإنساني من خلال نقص المؤونة والمستلزمات الطبية)،
كل هذا يعني تذكير المجتمع الدولي بالقضية الصحراوية.. يعني أن الجبهة أعطت للفكرة
إشعاعها الدولي الأمر الذي جعل الصحافة الدولية تبحث عما يقع، ليندهش العالم بهذه
الفكرة غير المسبوقة وليندهش أكثر بدرجة التنظيم المحكم والعالي داخل المخيم..
ليتأكد العالم مرة أخرى أن الشعب الصحراوي شعب منظم ومسالم لكنه مصمم على حقوقه
المشروعة
حاول المخزن فك
المخيم بشتى الطرق وفشل في مسعاه فشلا ذريعا، حاول شراء الذمم ولم يفلح، استقدم
الولاة والوزراء وقدموا الوعود ولم يفلح، حاول حصار المخيم فوجد سكان العيون يهبون
لكسر الحصار عن أهاليهم بالمخيم.. وفي ذلك قدم الصحراويون أجمل ملامح التضامن
والتآزر وقدموا بذلك أجمل صور الوحدة الوطنية.
-
البركان:
كان طبيعيا أنه مع
توالي الأيام ورغم قسوة الظروف الإنسانية داخل المخيم وتمتن الجبهة الداخلية وصمود
وعزيمة أهالي المخيم وإصرارهم على تحقيق أهدافهم التي تزايدت بتوالي الأيام ومع
تزايد اهتمام وسائل الإعلام الدولية والجمعيات والمنظمات والحكومات المتضامنة.. كان
طبيعيا أن صدر الاحتلال المغربي سيضيق بعد ما حشر في الزاوية وكشف وجهه الحقيقي
للعالم، و أنه سيقدم لا محالة على حماقة من حماقاته المعتادة.
وبالفعل كانت
الكارثة يوم 08/11/2010، حيث أقدمت قوات الاحتلال المغربي بكل تلاوينها وتشكيلاتها
على تدمير المخيم وإحراقه بالكامل مخلفة بذلك الكثير من الدمار والمعاناة والكثير
أيضا من الشجب والاستنكار الدوليين.
فمن كان يصدق أن يجتمع مجلس الأمن
- استثناءا- ليناقش قضية
أگديم
إيزيك وليدين جميع الأعضاء الدولة
المغربية باستثناء فرنسا التي عارضت مشروع القرار وأسقطته، لتثبت للعالم أنها حامية
الاحتلال وحاضنته و أنها ضد احترام حقوق الإنسان وحمايتها وضد المواثيق والعهود
الدولية الداعية إلى احترام هذه الحقوق والتي كانت هي مهدا لها.
خلف التدخل العديد من الضحايا (اﻟگارحي
والداودي) والعديد من المعتقلين الذين زج بهم في السجون حيث ذاقوا ويلات التعذيب،
والأخطر هو حالة الرعب التي حاول العدو المغربي خلقها في العيون - بل وفي الصحراء
عموما- بعد الأحداث، فقد كثفت قوات الاحتلال المغربي من تواجدها بالعيون وخاصة
القوات العسكرية بمدرعاتها وعرباتها، وشنت حملات اعتقال واسعة في صفوف الصحراويين
ونشر العديد من مذكرات التوقيف، ونكلت بالمواطنين وهتكت أعراضهم ونهبت ممتلكاتهم
مؤازرة في ذلك بميليشيات المستوطنين المغاربة، في الوقت الذي تكبدت فيه قوات
الاحتلال بدورها خسائر في الأرواح.
بذلك إذن يكون
أگديم
إيزيك قد شكل علامة فارقة في تاريخ
نضال الشعب الصحراوي من أجل الحرية والانعتاق، وسيظل علامة مميزة ومحطة مشرفة في
ذلك المسار.. أثبت من خلاله الصحراويون أنهم قادرون على صنع المعجزات على الرغم من
القبضة الحديدية التي يحبكها العدو على الصحراء ومدنها.
ويكفي الصحراويون فخرا وشرفا
أنهم - ومن خلال ملحمة
أگديم
إيزيك
- وهذا ليس قولا نقوله نحن
كانوا يطلقون الشرارة الأولى لما بات يعرف ب « الربيع العربي» أو « ربيع
الديمقراطيات العربية» وتكسير جدار الخوف وميلاد الثورات العربية في وجه أنظمة
الحكم التوتاليتارية الفاسدة كما حدث في « ثورة الياسمين» بتونس التي أطاحت
بالطاغية "بن علي" ونظيرتها في مصر « ثورة الفل» التي أسقطت الدكتاتور "حسني مبارك"
والبقية تأتي.. وهذا ما عبر عنه المفكر العربي "عزمي بشارة" وعبر عنه أيضا المفكر
الأمريكي البارز " نعوم تشومسكي" في إحدى الحوارات التلفزيونية.
لكن قبل هذا وذاك فقد عبر عنه
الشهيد الفذ" الوالي مصطفى السيد" عندما طرح فكرة شمولية الثورة واتساعها وأن الشعب
العربي في الساقية الحمراء ووادي الذهب لن يستقل حتى تستقل الشعوب العربية في باقي
الأقطار العربية.. رحم الله الشهيد الوالي وباقي الشهداء.
بقي فقط أن نختم بهذا السؤال
العريض: هل تمكنا فعلا من استثمار هذا الحدث البارز"
أگديم
إيزيك" استثمارا جيدا؟ أم أنه كان في الإمكان فعل أفضل مما كان؟؟؟. |