أثارنا حقيقة موضوع الخيمة الصحراوية
وما تشكله وتنسجه في الذاكرة والوجود
الصحراوي من قيم ومعاني ودلالات، وما
أثارنا أكثر هو تزامنها وتخليد الشعب
الصحراوي لذكرى نصب أول خيمة من "
ملحمة أكديم إزيك" التي شيدت على تلك
البقعة من الصحراء الغربية المسماة
بمنطقة ' اكديم ازيك ' الواقعة شرق
مدينة العيون المحتلة، هذا المخيم
الذي بنته سواعد جادة من أبناء هذا
الوطن الذين آمنوا بحقوقهم فأبدعوا
هذا الشكل الحضاري الجديد والفريد من
الاحتجاج، مستلهمين ذلك من تجربتهم
الكفاحية الطويلة حيث تفننوا في صنع
ملاحم بطولية ذات الصبغة السلمية في
مواجهة الاحتلال الجاثم على الصدور
لأزيد من ثلاثين سنة وهي عمر احتلال
المغرب للصحراء الغربية.
المخيم الذي ناهز قاطنوه العشرين ألف من البشر، بعدما أرغمتهم
الظروف المعيشية والأوضاع السياسية على تأبط رمز هويتهم وكينونتهم
" الخيمة" والعودة إلى الأصل والى ماضي الآباء والأجداد، ونظرا لما
تحمله الخيمة من مغازى ودلالات، فقد اخترنا التطرق في مقالنا هذا
إلى نفس الموضوع، وحتى لا ننجر إلى تكرار ما سبق إليه صفوة مثقفي
ومبدعي هذا الوطن وبالتالي تكرار معاني ودلالات الموضوع والحدث،
فكانت هناك إحالات إلى مجموعة من المقالات التي كانت حقيقة خير
دليل وبرهان على جدية الذاكرة الوطنية وعلى طموح أبناء هذا الوطن
وعلى غيرتهم ووعيهم وتفانيهم في خدمته بما في ذلك النضال بالقلم
الشيء الذي يكمل تضحيات ونضالات هذا الشعب الأبي العصي على
الابتلاء، فكانت اقتباسات من مقالاتهم التي رأينا فيها بعد نظر
والبلسم الشافي والكافي، إلا أننا ربطنا موضوع الخيمة الصحراوية
بالحدث السياسي ذا البعد " الهوياتي والوجودي" للمواطن والوطن
الصحراوي على حد السواء، الحدث الأهم في الشهور الأخيرة ألا وهو "
ذكرى نصب أول خيمة" في تلك البقعة الطاهرة من وطننا الحبيب وما
تلاها من إقامة وتشييد لمخيم ناهز عدد خيامه الثمانية آلاف وسكنه
أزيد من عشرون ألف مواطن والطريقة 'الدرامية'..الدموية..
البوليسية.. العسكرية.. التي فكك بها الاحتلال المغربي هذا المخيم،
وتأثير هذا الحدث على الأوضاع بالمنطقة العربية حاليا و ما يبدو
انه مازال قادما من أحداث سياسية بوادرها تلوح في أفق هذه المنطقة،
ومدى تأثيرها على مجريات الأحداث في العالم 'القرية ' برمته، فما
أوجه العلاقة بين مخيم" اكديم ازيك" بالصحراء الغربية والأوضاع
التي تعرفها المنطقة العربية..؟ وعلاقة ذلك بما يشهده العالم اليوم
من حراك سياسي و اجتماعي..؟
"للخيمة
عند الشعب الصحراوي معاني كثيرة، ظلت تتأصل عبر الزمان، فهي عنوان
الوجود، تحتها تأخذ الحياة أعمق المفاهيم، وتحتها يمارس الصحراويون
جل طقوس حياتهم الدينية والاجتماعية والثقافية بل وحتى السياسية
والعسكرية، الا أن الأهم، هو أن هذه الخيمة قد تشكل مجلس الحرب
والسلم إذ بها تعلن قرارات مصيرية تنظم علاقة الصحراويين بالجوار،
كما تحددها مع الغزاة الدخلاء من كل الذين حاولوا عبر التاريخ جس
نبض الحرية لديهم من كل الأجناس كالبرتغاليين والانجليز
والهولنديين والفرنسيين والأسبان وأخيرا النظام المغربي كي لا نقول
الشعب المغربي، وهنا يبرز فاصل هام عند الصحراويين بين التعاطي على
أسس المصالح المتبادلة والاحترام وبين القوة وعنهجية الاستيلاء
والاستحواذ
"1.
وعبر
التاريخ، كانت مضارب خيم الصحراويين شاهدا على تمسكهم بالأرض التي
قد يرحلون عنها إلى أخرى بحثا عن الكلأ لإبلهم وأغنامهم أو تحت
وازع الجهاد الذي سكنهم منذ الأزل، فرحلوا يدافعون عن حرمة الدين
الإسلامي، نابذين الاستعمار"أو ملة الكفر" في اعتقادهم، وفي هذا
السياق ضحوا واستشهدوا مسجلين أروع الملاحم كمعركة "لقليب لخضر"
"وأم التونسي" وغيرها من المعارك التي لا تزال تشكل عقدة الأنظمة
الفرنسية وأساس انتقامها إلى اليوم، معارك انطلقت من خيم شامخة،
تعد بها عدة الحرب والمقاومة من أسلحة وزاد، فيبدع الحرفيون في
إنتاج السلاح وسنه وتحضير وسائل الركب المجاهد بينما تعد النساء
الزاد حتى في أقسى سنوات الجفاف والاحتياج
"2.
والخيمة في المفهوم والوجود الصحراوي " إذا لم تكن كبيرة ويدخلها
الشخص مستقيما ويجلس فيها مرتاحا فهي مثل بيت العنكبوت، أوهن
البيوت
"3 ،
فكان مخيم "اكديم ازيك" مخيم للأسود الأشاوس عصي على الهضم
والابتلاع، ليجيء اليوم الذي ستدخل فيه الخيمة التاريخ السياسي
بنضاله الحضاري من اكبر أبوابه وبأسمى معانيه لتعطي العنان الى كل
باحث عن الحرية والاستبسال واختراع طرق المقاومة ونعني الملحمة
الجديدة " مخيم أكديم إزيك" التي سطرتها عبقرية الانتفاضة
الصحراوية المتأججة منذ سنة 2005 والمفعمة بتضحيات الأسلاف
الأشاوس والأبطال، والمستمدة قوتها من عطاءات شهداء التحرير وصبر
وجلد المقاومين، المحافظين على العهد والمصير.
وهكذا وقبل أيام حلت علينا الذكرى السنوية الأولى لحدث نصب أول
خيمة في منطقة "أكديم إزيك" الواقعة شرق مدينة العيون المحتلة
والمصادفة ليوم العاشر من أكتوبر، تلك الخيمة التي كانت في أول
الأمر مجرد "إجراء احتجاجي عادي" نظمه نفر من الشباب الصحراوي ضدا
على سياسات الاحتلال التفقيرية والتجويعية واستنزاف خيرات أرضهم
أمام أعينهم، تلك الخيمة التي كانت في البدء يتيمة ووحيدة وشامة
بيضاء تزين وجه الأرض القاحلة، سرعان ما أضحت في غفلة من دولة
الاحتلال الغاشم "وطن من خيام"4 .
وإذا كنا لا نبتغي كتابة مقال أدبي أو سيكولوجي عن الإنسان
الصحراوي بقدر ما نحاول تحليل تداعيات وأبعاد نصب أول خيمة في تلك
المنطقة الجرداء التي انتشرت فيها الخيام بسرعة كالفطر بفضل عبقرية
" الصمود من أجل الوجود" التي يمتاز بها الإنسان الصحراوي، كيف لا
وهو الذي قهر الطبيعة وأسس عليها جمهورية عربية اللغة، صحراوية
الجغرافيا، ديمقراطية النهج والمنهج، فوصل عدد هذه الخيام إلى أزيد
من 8000 آلاف خيمة تأوي ازيد من عشرين ألف نفر رسمت سابقا أسمى
معاني الرجولة والكرامة ومازلت تسطر طريقه بأحرف من ذهب وبأنامل
مجاهدة، فتحول المشهد بين ليلة وثلاثين إلى مشهد سياسي قل نظيره
وأعطا بعدا جديدا ونوعية متجددة من الحراك السياسي في منطقة لازالت
غير محكومة ذاتيا و ترزح تحت نير الاحتلال.
فالاحتلال وما أبان عنه من ضعف في كيفية التعاطي مع هذا الأسلوب
الفريد، ضعف كان ولازال سمة ملازمة لقوى الاحتلال العالمية سابقا
وآنيا، أولم يقل يوما " الجنرال جياب " أن الاستعمار تلميذ غبي،
حيث لن يستطع هذا الأخير تكييف الحدث ولا تبريره أو حتى إدخاله في
الخانة التي يريد هو له أن يكون عليه المشهد في هذا الجزء المحتل
من الأرض وبالتالي إرجاع سنياروهاته التي اعتاد توصيف بها الحال في
الجزء المحتل من الأرض من قبيل ادعاءات: " وحدوية الصحراويين و
"تمسكهم بمغربيتهم" و"ولائهم للقصر" و"بيعتهم للعرش" و"تشبثهم
بالوحدة الترابية للمملكة"... واقتصاديا لإدعاءات "إعمار الأقاليم
الجنوبية" و"تنميتها وإقلاعها اقتصاديا" و"إلحاقها بالركب" و"إيلاء
عناية خاصة وأنظمة تحفيزية وتفضيلية للصحراويين" و"عيشهم في بحبوحة
"... واجتماعيا لمزاعم "انخراطهم واندماجهم" في النسيج المغربي
و"اختلاطهم وذوبانهم وتكيفهم" مع إخوتهم المغاربة
"5
فهكذا وبعد المشهد الذي رسمته الآلة المغربية بنفسها لا من حيث
طبيعة تفكيك المخيم الذي أثثه شباب وشيب، نساء ورجال، بل حتى في
تلك الصورة 'الهدية' التي قدمتها لنا الحكومة المغربية بتصويرها
وبنفسها للمشهد العسكري الذي فككت به المخيم والذي يوحي بالمحرقة
التي لازالت بوادرها مخيمة إلى يومنا هذا ونعني يذلك قنبلة مخيم"
ام دريكة" وقصف هذا الأخير بالأسلحة المحرمة دوليا إبان غزوه
للصحراء الغربية.
فهذه الظاهرة الجديدة سرعان ما انتشرت في بقاع العالم وكانت بداية
الشرارة التي أسقطت نظام زين العابدين بن على في تونس بعد عقود من
الظلم والديكتاتورية، ليأتي الدور على نظام العمالة والاستبداد
المصري وتتم الإطاحة به بعد أن عمر لثلاثة عقود ليليهم نظام
القذافي وتستمر الموجة في اليمن وسوريا وباقي الدول العربية، وهذا
ما عبر عنه واعترف به المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي الذي يعتبر من
أبرز المفكرين النقديين في عصرنا هذا، ومن القلائل الذين يقرنون
النظرية بالعمل حيث أشار تشومسكي إلى أن بداية موجات الربيع العربي
لم تكن في تونس بل كانت في الواقع في الصحراء الغربية لكن سرعان ما
بادرت السلطات المغربية لقمعها ثم من بعدها جاءت موجة تونس6 .
ولم تسلم من موجة المد الصحراوي حتى الشوارع التي لا توجد في
أدبياتها ولا ماضيها معنى الخيمة وهي المعروفة بنظام معماري وزخرفي
وهندسي كان شاهد على التطور الذي وصلت له هذه البقاع من الأرض،
لتتحول ساحات العالم الغربي قاطبة وساحات مدريد خاصة إلى بساط من
خيم كانت شاهدة على العلاقة الوطيدة بين الشعبين الاسباني
والصحراوي ورسمت اللوحة الاسبانية ظاهرة "اكديم ازيك" من جديد ولكن
هذه المرة بأنامل اسبانية، فتحولت ساحاتها وشوارعها إلى مظاهرات
بالنهار وخيام بالليل، وهو ما زكى أن شرارة الربيع العربي رأت
النور بمخيم "أكديم إزيك"، وهي التي دفعت بموجة التغيير السياسي
بالمنطقة العربية برمّتها"7.
وهاهي الولايات المتحدة دركي العالم اليوم حسب الوصف السياسي
المتداول والتي تقود قاطرة القوة والتقدم والهيمنة، لم تسلم هي
الأخرى من الظاهرة الصحراوية، حين أسس بعض الشباب حركة " احتلوا
وول ستريت"
" Occupying Wall Street "
وخرجوا يوم 17 سبتمبر الماضي لاحتلال " وول ستريت" وهو شارع المال
والبورصة والاقتصاد في حي مانهاتن بمدينة نيويورك والقلب النابض
ليس لأمريكا فقط بل العالم بأسره، هذه الحركة التي توسعت قاعدتها
في بقية المدن الأمريكية ووجدت زخما وترحيبا وتفهما ومساندة من
غالبية الأمريكيين بما فيهم المفكرين والأساتذة الجامعيين وضعت نصب
عينيها المطالبة بحقوقها الاقتصادية والاجتماعية و تسليط الضوء على
هيمنة المؤسسات المالية النافذة على اقتصاد أمريكا والعالم بأسره،
واتخذت " الخيمة" كأسلوب للاحتجاج، حيث تم تشكيل عدة مخيمات بعدة
شوارع ومنتزهات وحدائق بالعديد من المدن الأمريكية، بل إن هذه
الحركة ألهمت شباب العالم حيث خرجت أكثر من ألف مدينة في مختلف
القارات للاحتجاج على تغول الرأسمالية وتوحش المنهج الليبرالي
واقتصاد السوق وتنامي الاختلال في التوازن الاقتصادي العالمي،
ونصبت الخيام كأدوات للاحتجاج في العديد من هذه المدن تأثرا
بأساليب الربيع العربي الذي كانت شرارته الأولى بمنطقة أكديم إزيك.
هذه الأحداث وهذا الحراك العربي والعالمي يحيلنا إلى سؤال: هل تكون
هي البداية لتشكيل عالم جديد تسوده القيم واحترام مبادئ وآليات
القانون الدولي واحترام حقوق الإنسان والشعوب ؟ بما يكفل للشعب
الصحراوي - ملهم الشعوب الآن - حقه في تقرير المصير والاستقلال...؟
هكذا يحق للصحراويين أن يفتخروا بشرارتهم التي انتقلت إلى سيدي
بوزيد ومن ثم إلى ميدان التحرير وهكذا دواليك حتى وصلت لشارع وول
ستريت
...
وهم الذين حولوا مقولة : إن مسافة ألف ميل تبدأ بخطوة، إلى مقولة :
تغيير العالم يبدأ بخيمة.
والمجد والخلود لشهداء " وطن الخيام" وكل خيمة والعالم بألف خير.