|
صدى الانتفاضة
بقلم
::
اميلمنين
::
|
إن حلول الذكرى الرابعة لاندلاع
لانتفاضة الاستقلال السلمية والمباركة وما
حققته من مكاسب جبارة
لقضيتنا الوطنية . تتطلب منا أن نقف عندها
لإدراك معانيها ومقاصدها ومزاياها قصد وضوح
الرؤيا للحفاظ على استمراريتها حتى تحقيق
هدفها المنشود في الحرية والاستقلال . إن
الحديث عن ذكريات وملامح أربع سنوات مضت من
الانتفاضة الجماهير اليومية ضد الاحتلال يتطلب
أكثر من مقال حتى لا نكون مجحفين في حقها
لكننا نقتصر هنا فقط على أهم المميزات
الداخلية والخارجية التي طبعت هذا الخيار
الوطني.
إن
انتفاضة الاستقلال هي تلك الحركية النابعة من
الجماهير الغاضبة والرافضة لسياسة الأمر
الواقع المغربي تتخذ من الأسلوب الحضاري
والسلمي منهجا ومن الاستقلال والحرية هدفا.
فتجارب شعوب العالم في هذا الميدان كثيرة
ومتعددة وخير مثال على ذلك الانتفاضة السلمية
التي قادها المهاتما غاندي بداية القرن الماضي
في الهند ضد الاحتلال الانجليزي عبر تنظيم
عصيان مدني شامل شل الحركة الاقتصادية
للمنطقة أضخم هذه الأشكال هي مسيرة الملح
الشهيرة والسيطرة على مناجمه صاحبها تضامن
وطني كبير تمثل في مقاطعة مختلف بضائع المحتل.
بالإضافة إلى قيام انتفاضات أخرى مماثلة عبر
العالم كتلك التي عرفتها جنوب إفريقيا ضد
النظام العنصري وانتفاضة الأرض في فلسطين
الإسرائيلي . كما أن تاريخ دولة الاحتلال
المغربي عاش على وقع انتفاضات جماهيرية عمت
مختلف مدنه رافضة النظام الملكي ومطالبة
بالتغيير ( انتفاضة الجماهير 1965 و 1981 –
انتفاضة الريف 1984 – انتفاضة
فاس 1991 ) تعرضت كلها لقمع رهيب وتمت تصفية
اغلب زعمائها مما أدى إلى إخمادها مبكرا .
أما انتفاضة
الاستقلال السلمية في الصحراء الغربية فتعد
مدرسة ونموذج قل نظيرها في العالم مستفيدة
من تجارب الشعوب ورصيد تاريخها الحافل بسلسلة
من الانتفاضات منذ انتفاضة الزملة التاريخية
في يونيو1970 ثم الطنطان 1972 ثم الهبة
الجماهيرية العارمة أمام بعثة تقصي الحقائق
الأممية مايو 1975 وانتفاضة المدارس بالعيون
المحتلة بداية 1975 والانتفاضة مرة أخرى أمام
بعثة تقصي الحقائق الأممية 1987 وانتفاضة أسا
في 1992 و العيون المحتلة1999 والسمارة
المحتلة في 2001 .
لم يكن إذن
الترحيل القسري الذي تعرض له المعتقل السياسي
الصحراوي محمود هدي( الكينان) السبب الوحيد
بقدر ما كان النقطة التي أفاضت الكأس حيث
خرجت الجماهير المنتفضة في 21 من أيار مايو
2005 إلى الشوارع بصدور عارية وهامات مرفوعة
مرددين مختلف الشعارات المناهضة للاحتلال
ورافعين الأعلام الوطنية وموزعين الآلاف
المناشير المطالبة بالاستقلال وكذلك معارك
الأمعاء الخاوية التي يخوضها المعتقلين
السياسيين الصحراويين داخل زنازين الاحتلال .
كلها أساليب حضارية وراقية وجدت استحسان
وتعاطف دولي كبير . في المقابل لم تجد من
المحتل سوى الاستهجان و الرفض و التضليل
وتزييف الحقائق و تشويه سمعة الانتفاضة كونها
حركة اجتماعية ليس إلا تتخذ من العنف أسلوبا
لتحقيق مطالبها . حيث كثف العدو من القمع
والترهيب و القتل والاعتقال والاختطاف و حرق
البشر أحياء (حالة المختطف الصحراوي السالك
ألسعيدي ) ومداهمة المنازل والعبث بمحتوياتها
وسياسة قطع الأرزاق والمزيد من المضايقات .
اندلعت إذن الانتفاضة كاندلاع النار في الهشيم
ولم يعد الاحتلال المغربي قادرا على إطفاء
لهيبها وبقت متأججة تحرق كل من أراد الوقوف
أمامها والعبث بها. وقد كانت عدة مميزات
يصعب حصرها نختصر من بينها ما يلي
:
المميزات الداخلية:
على مستوى الجماهير
الصحراوية المنتفضة:
لقد كان الرهان على تحريك الجبهة
الداخلية منذ الوهلة الأولى مهما في تأجيج
الانتفاضة نظرا لتوفر جملة من العوامل أهما
التماس والاحتكاك مع العدو بشكل مباشر هذه
المواجهة التي ستتطور بسرعة كبيرة خاصة مع
التصعيد المتمثل في الرد الهمجي للمحتل
الشيء الذي سيفجر غضب وسخط الجماهير. ونذكر
من بين مميزات هذا الغضب:
*
توحيد الصف الصحراوي
والتغطية على مجمل الخلافات التي كانت سائدة
في ذلك الوقت خاصة في صفوف الطلبة الجامعيين و
النشطاء الحقوقيين .
* اتساع رقعة أو مجال
الانتفاضة فلم تقتصر على العيون المحتلة وحدها
بل وجدت تجاوبا كبير من المدن المحتلة
المجاورة كالداخلة والسمارة وبوجد ور
والطرفاية والطنطان وكلميم وأسا والزاك
وامتدت حتى عمق الديار المغربية كمدينة
امحاميد الغزلان وسيدي ايفني ومدينة سلا
والجامعات المغربية.
* مكان الانتفاضة لم يعد
يشمل المدن وحدها بل جاء التضامن هذه المرة
من القرى والمد اشر الموجودة خارج المجال
الحضري ( سيدي احمد لعروسي – لكصابي – لمسيد
- واد الساقية الحمراء- بلدة انترفيت....).
*
إبداع أشكال نضالية جديدة واستمرارها مع
تكثيف العمل النضالي خاصة في المدن المحتلة
تتماشى مع سلمية الانتفاضة كالوقفات والمسيرات
التي ترفع فيها الأعلام الوطنية واللافتات
واليافطات وصور أبطال انتفاضة الاستقلال مع
توزيع أعداد هائلة من المناشير . وتعليق
الأعلام الصحراوية على مختلف مصالح العدو
الرئيسية بما فيها مخافر الشرطة وتكثيف
الكتابات على جدرانها .
* التضامن الكبير من طلبة
المدارس والمعاهد والثانويات وكذلك الجامعات
المغربية التي انتقلت مرحلة النضال فيها من
التضامن إلى مرحلة صنع الأحداث حيث تفنن
الطلبة الصحراويين في إبداع لوحات نضالية
راقية خاصة الأيام التضامنية مع الانتفاضة
وأبطالها بكل من المواقع الجامعية مراكش
واكادير والرباط.
* إشراك الجميع في الفعل
النضالي أو الانتفاضة ومن مختلف شرائح الشعب
الصحراوي ( أطفال – تلاميذ – طلبة –
نساء- شيوخ... )
* ظهور أبطال جدد في
الانتفاضة خاصة المعتقلين السياسيين
الصحراويين الذين حولوا محاكم الظلم والزور
والبهتان المغربية إلى منابر للدفاع عن
القضية الوطنية ومحاكمة الجلاد والمجاهرة
بالمواقف وكذلك المعارك البطولية التي خاضوها
داخل الزنازين النتنة خاصة ملحمة الأمعاء
الخاوية والإضراب البطولي عن الطعام الذي
تجاوز الخمسين يوما ( كحالة الطلبة الصحراويين
المعتقلين السياسيين بسجن بولمهارز بمدينة
مراكش .... ) . قصد تحسين وضعيتهم داخل هذه
الدهاليز وتضامنهم مع الجماهير المنتفضة التي
تتعرض للقمع بشكل يومي .
* تنامي
الوعي بالقضية الوطنية لدى كافة الجماهير
الصحراوية خاصة أوساط الشباب والأطفال صغار
السن( نجدهم مثلا أول حركة جسدية يتعلمونها هي
حمل شارة النصر(A)
وأول نطق لهم هو ترديد الشعارات الوطنية
ومعرفتهم لألوان علمهم الوطني والقدرة على
رسمه ...) بعد أن كان العدو يفرض طوقا وتعتيما
إعلاميا منذ احتلاله للصحراء الغربية في
أكتوبر1975 .
* اشتهرت مجموعة من
المراكز أو الأحياء السكنية بالمدن المحتلة
بنشاطها الدؤوب في الانتفاضة ( حي معطى الله –
حي اسكيكيمة - الإنعاش – اكسيكسات – حي
الطنطان – أم التونسي ....) .
* تكريم الأحياء
والشوارع والمدارس والثانويات النشطة في
الانتفاضة بأسماء الشهداء والأبطال والدول
الصديقة للشعب الصحراوي ( حي الاورغواي – شارع
سيدي محمد ددش – شارع تشاد – إعدادية الشهيد
البشير لحلاوي....) .
* استقبال العائلات
الصحراوية في إطار تبادل الزيارات التي تشرف
عليها المفوضية السامية لغوث اللاجئين برفع
الأعلام الوطنية والشعارات والمناشير المطالبة
بالاستقلال ونفس الشيء يتكرر في المناسبات
الاجتماعية (رغم ما يشوبها من سلبيات ) .
* استقبال أبطال
الانتفاضة المعتقلين السياسيين الصحراويين
المفرج عنهم وذلك بتنظيم احتفالات ومهرجانات
ضخمة ( استقبال المعتقلة السياسية الصحراوية
أمنتو حيدار - المعتقلين السياسيين
الصحراويين إبراهيم الصبار وسعيد البيلال
....) لم تسلم بعض هذه الاحتفالات من قمع
المحتل المغربي ( حالة استقبال المعتقل
السياسي الصحراوي أللود العثماني الذي حوله
العدو من حفل بهيج إلى مجزرة رهيبة راح ضحيتها
أكثر من 130 معتقلا ومئات الجرحى . وتكرر
الأسلوب الهمجي نفسه في مهرجان احتفالي
بالإفراج عن مجموعة من الأبطال بمنطقة
لفريرينة قرب السمارة المحتلة .
* ظهور مواقع الكترونية
محلية على صفحات الانترنيت تعرف بالقضية
الوطنية وتكشف أسلوب العدو وتتابع مسيرة
الانتفاضة . حيث ساهمت بكسر الحاجز الإعلامي
الذي يفرضه الاحتلال على المنطقة ولو بشكل
نسبي . وتوثيق مختلف مظاهر الانتفاضة وعرض
العشرات من الأقراص المدمجة لمختلف الأشكال مع
فضح ممارسات المحتل من قمع واعتقال وحصار.
* توقيف الوفود
والصحافيين الأجانب أو رسل السلام المتضامنين
مع الشعب الصحراوي داخل المطارات المغربية
ومطار العيون المحتلة وحضور بعضهم للمحاكمات
الجائرة ضد المعتقلين السياسيين الصحراويين .
* القيام بجولات تحسيسية
في الخارج من طرف مجموعة من النشطاء الحقوقيين
الصحراويين للتحسيس بوضعية حقوق الإنسان في
الجزء المحتل لوطننا ( اعلي سالم التامك –
أمنتو حيدار – سلطانة خيا – احماد حماد ...)
وفوز العديد منهم بجوائز تقديرية دولية رفيعة
( كجائزة روبرت كينيدي التي حصلت عليها
المعتقلة السياسية الصحراوية أمنتو حيدار في
الولايات المتحدة الأمريكية مطلع هذا العام .
* تأسيس مجموعة من الهيئات
والتجمعات والمراصد والجمعيات المدافعة عن
حقوق الإنسان خاصة في الآونة الأخيرة .
* تضامن بعض الهيئات
والأحزاب المغربية مع كل ما يتعرض له الشعب
الصحراوي داخل المدن المحتلة والجامعات
المغربية من قمع ومضايقات ( حزب النهج
الديمقراطية القاعدي – الجمعية المغربية لحقوق
الإنسان) .
* اهتمام مختلف وسائل
الإعلام والصحافة بانتفاضة الاستقلال وحتى
إعلام العدو لكن بشكل نسبي يفتقد اغلبه للحياد
أو الموضوعية .
*
الأسلوب الهمجي للمحتل المغربي في التعامل مع
انتفاضة الاستقلال السلمية :
كان جواب الاحتلال المغربي مع
انتفاضة الاستقلال السلمية منذ اندلاعها هو
المزيد من الحصار والمضايقات والقمع في صفوف
المتظاهرين والزج بأكبر عدد منهم في السجون
الرهيبة في محاولة يائسة لإطفاء لهيبها . لكنه
كان مخطئا في حساباته حيث أن القمع لم يزد من
إرادة الشعب الصحراوي في النصر إلا صلابة
وعزيمة على المضي قدما نحو الهدف النبيل
والمنشود . لذا باشر المحتل منذ بداية
الانتفاضة في
:
* زيادة عدد قوات القمع
وإرسال المزيد من الدعم خاصة من المدن
المغربية أضف إلى ذلك المئات من سيارات
التدخل السريع ذات الحجم الكبير والصغير
والإسناد والشاحنات والدراجات النارية
وغيرها.
* تنوع وحداتهم الأمنية
حسب تطور أشكال الانتفاضة ( جيش – قوات التدخل
السريع – قوات مساعدة – شرطة القرب( كرواتيا)
– الفرق التي تسمي نفسها بفرق الموت ....) كل
هذه التشكيلات فشلت في إخماد الانتفاضة
الجماهيرية.
* اللجوء إلى أساليب بشعة
في مواجهة الغضب الجماهيري كالقتل العمد (
حالة الشهيدين حمدي لمباركي- أبا الشيخ لخليفي
) واختطاف العديد من النساء والأطفال
القاصرين وتعذيبهم جسديا ونفسيا واغتصاب
العديد منهم(حالة الطفلة اللو- التلميذة حياة
الركيبي) . من طرف جلادين للأسف الشديد لا
زالوا حتى ألان يتمتعون بالحصانة نذكر من
بينهم ( الجلاد المدعو أيشي أبو الحسن- المدعو
مصطفى كمور- بحيري- عبد الصمد...).
* اعتماده على حيل
شيطانية لوقف سيل الانتفاضة الجارف وإشغال
الصحراويين عن الفعل فيها وذلك بتجنيد شرذمة
من الجواسيس للتغلغل داخل الجماهير وزرع
الإشاعات قصد خلق خلافات جانبية وصراعات
أفقية فيما بين الصحراويين من جهة والمواطنين
المغاربة من جهة أخرى خاصة في المواقع
الجامعية.
المميزات الخارجية
:
رغم اختلاف الظروف ووجود الجدار المخزي
المغربي الذي يقسم الأرض والشعب استطاع الشعب
الصحراوي أن يثبت مرة أخرى أن جسمه واحد
متماسك وصلب إذا اشتكى منه تداعى له سائر
الجسد بالسهر والحمى. فقد حظيت الانتفاضة منذ
اندلاعها في 21 مايو 2005 في مخيمات العزة
والكرامة والأراضي المحررة وتجاوب جماهيري
كبير وتغطية إعلامية متميزة ساهمت في تقليص
المسافة والتعريف بالانتفاضة السلمية
وأهدافها . وقد تمثلت أوجه التضامن في
:
-
إقامة سلسلة من القوافل التضامنية سنويا (
قافلة انتفاضة الاستقلال التي يحتضنها طلبة
شبيبة الساقية الحمراء وواد الذهب.
-
المنابر التضامنية الكبيرة والسهرات الفنية في
مختلف ولايات الوطن إضافة إلى التفاخر
بالانتفاضة في الأدب الشعبي سواء على مستوى
الموسيقى أو الشعر الوطني وكذلك تسمية
مواليدهم الجدد تيمنا بأبطال الانتفاضة.
-
المسيرات التضامنية ضد الجدار الذل والعار
المغربي ( مسيرة سلسلة الألف السنوية ) بحضور
دولي وإعلامي متميز رغم ما يتخللها من مخاطر
في صفوف المشاركين أخرها انفجار لغم بمجموعة
من المتظاهرين.
-
تآزر وتضامن دولي واسع مع القضية الوطنية من
طرف الهيئات والمنظمات والأحزاب السياسية
والجمعيات الصديقة بالإضافة إلى اعتراف مجموعة
من الدول بالجمهورية العربية الصحراوية
الديمقراطية ( كينيا – تشاد- الاروغواي –
هايتي ...) .
تضامن غير مسبوق من طرف
طلاب المهجر مع الانتفاضة المتأججة خاصة في
الجامعات الليبية والجزائرية والاسبانية
والمصرية وحتى طلبة الجامعات الفلسطينية
- مناقشة تداعيات انتفاضة الاستقلال السلمية
المباركة على مستوى القرارات الأممية الخاصة
الصحراء الغربية.
- صدور تقارير من البعثات
والهيئات والمنظمات الدولية والمحلية تندد
بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من طرف
الدولة المغربية خاصة بعد زيارتها للجزء
المحتل من وطننا ( تقرير بعثة تقصي الحقائق
الأممية 2006 - تقرير منظمة هيومان رايتس
ووتش – تقرير بعثة البرلمان الأوروبي 2009 –
تقرير الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ... ) .
وفي الختام نبقى
أن نشير أن أربع سنوات من عمر الانتفاضة هي
فرصة جيدة لتقييم التجربة وإبداع وخلق أساليب
نوعية جديدة تليق بالمرحلة وتطوراتها من اجل
الإسهام في تقويتها والدفع بعجلتها إلى الأمام
. فمهما تمادى العدو في أساليبه البشعة من اجل
فرملة الانتفاضة فانه لن يغير من الواقع شيئا
. فالاستمرارية بدون كلل أو ملل هي الضمان
الوحيد للوصول إلى الهدف المنشود في الحرية
والاستقلال وكل عام وانتفاضة الشعب الصحراوي
بألف خير.
|
ملحوظة : الحقول التي
أمامها علامة(*) مطلوبة
|
|
|
|